بقلم/ اسماعيل محمد طاهر
منذ الاعلان عن تشكيل التحالف العسكري وانطلاق عملية عاصفة الحزم بقيادة المملكة العربية السعودية في اليمن عام 2015، بات واضحًا أن هذه العملية لا تندرج في إطار مواجهة عسكرية محدودة، بل تمثل تحولًا استراتيجيًا فرضته الجغرافيا السياسية وتشابك المصالح الإقليمية والدولية، ومرد ذلك ان اليمن، بحكم موقعه الجغرافي يشكل بوابة أمنية لا تخص شبه الجزيرة العربية وحدها، بل تمتد آثارها المباشرة إلى الأمن القومي الإفريقي، ولا سيما دول البحر الأحمر، والقرن الإفريقي، ودول الساحل والغرب الافريقي عامة، والسودان وتشاد على وجه الخصوص.
إن تناول هكذا موضوع حتما ينطلق من قناعة راسخة مفادها أن الأمن السعودي والأمن الإفريقي باتا متداخلين بنيويًا، وأن مقاربة المملكة لليمن لا يمكن فصلها عن مسؤوليتها ودورها المتنامي في إفريقيا، ليس فقط كفاعل إقليمي، بل كشريك استراتيجي ضروري الحضور وطويل الأمد.
اليمن والبحر الأحمر: بوابة الأمن الإفريقي:
يمثل اليمن، بموقعه المشرف على مضيق باب المندب، إحدى أهم نقاط الارتكاز في منظومة الأمن البحري العالمي، وأي اختلال أمني في هذه المنطقة ينعكس مباشرة على إفريقيا من خلال تهديد خطوط التجارة والطاقة نحو شرق وجنوب القارة الإفريقية، ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، ويفاقم هشاشة الاقتصادات الإفريقية، وتنامي مخاطر تهريب السلاح والجريمة المنظمة عبر البحر الأحمر وخليج عدن.
ومن هذا المنطلق يتبين ان الدور السعودي في اليمن لا يُقرأ باعتباره فعلًا دفاعيًا محدودًا، بل استثمارًا استراتيجيًا في استقرار فضاء البحر الأحمر، وهو فضاء تشترك المملكة وإفريقيا في مسؤوليته التاريخية والأمنية.
الدور السعودي: من حماية الأمن القومي إلى صناعة الاستقرار الإقليمي:
تعاملت المملكة العربية السعودية مع الحرب في اليمن باعتبارها ضرورة فرضتها حتمية الجغرافيا، غير أنها في الوقت ذاته ومن مبدأ (رب ضارة نافعة) أعادت صياغة حضورها في البحر الأحمر والقرن الإفريقي وعبرهما الى عمق القارة السمراء، وذلك حتما إدراكًا منها أن أمنها القومي يبدأ من خارج حدودها البرية.
ومنذ تولي الملك سلمان بن عبدالعزيز حكم البلاد عام 2015، شرعت المملكة في تحرك دبلوماسي واستراتيجي منظم داخل القارة الإفريقية، شمل بناء شراكات سياسية وأمنية مع الدول المطلة على البحر الأحمر، والانخراط في ترتيبات إقليمية تهدف إلى ضمان أمن الملاحة الدولية، والمساهمة في إعادة التوازن داخل الإقليم والحد من تمدد بؤر التوتر، وقد انعكس هذا التوجه في إعادة تنشيط العلاقات السياسية، وفتح قنوات تأثير جديدة، وتثبيت موقع المملكة كفاعل رئيسي في معادلة البحر الأحمر والدول الواقعة غربه في افريقيا.
الأمن القومي الإفريقي: امتداد طبيعي للأمن السعودي:
أفرزت الحرب في اليمن واقعًا جديدًا للأمن القومي الإفريقي، يتمثل في عسكرة البحر الأحمر وتحوله إلى ساحة تنافس دولي، وتصاعد احتمالات تسرب السلاح إلى عمق القارة، ازدياد الضغوط الأمنية والاقتصادية على دول القرن الإفريقي، وفي هذا السياق، فإن استقرار البحر الأحمر لم يعد خيارًا تكتيكيًا، بل مصلحة استراتيجية مشتركة بين المملكة والدول الإفريقية، ما يستوجب مقاربة سعودية شاملة ترى في إفريقيا شريكًا ومكملاً لا هامشًا.
السودان: الجار الإفريقي الأهم في معادلة البحر الأحمر:
يُعد السودان الجار الإفريقي الأكثر أهمية للمملكة العربية السعودية على البحر الأحمر، بحكم الامتداد الجغرافي والتداخل الأمني والتاريخي. حيث ان أي انفلات أمني في اليمن أو تهديد مستمر للملاحة البحرية ستكون له تداعيات مباشرة على السودان عبر تماسه المباشر مع دول القرن الإفريقي، وهي منطقة تتأثر سريعًا بأي اضطراب قادم من اليمن، سواء عبر اختلال أمن البحر الأحمر او تعطل حركة التجارة والنقل البحري او ارتفاع التحديات الأمنية الإقليمية. وعليه، فإن استقرار اليمن والبحر الأحمر يمثل خط دفاع متقدم عن استقرار السودان وعبره دول الساحل الافريقي، وبالتالي عن استقرار العمق الإفريقي المجاور للمملكة.
تشاد: التأثر غير المباشر عبر المحيط الإقليمي:
رغم بعدها الجغرافي النسبي، تتأثر تشاد بتداعيات الوضع اليمني عبر حلقات عدم الاستقرار في السودان ودول الجوار، حيث يؤدي أي اضطراب إقليمي إلى تدفقات بشرية على شكل لجوء وانتشار السلاح عبر الحدود، وتعقيد البيئة الأمنية في منطقة الساحل الإفريقي، الامر الذي يجعل من الاستقرار الإقليمي الذي تسهم فيه السعودية عنصرًا حاسمًا في أمن دول الساحل، بما فيها تشاد ومن خلفها دول مثل النيجر ونيجيريا وشمال الكمرون وجميعها دول يهددها وجود حركات ارهابية مثل بوكو حرام بالاضافة الى انها دول لها حدود تمتد بعيدا باتجاه الغرب.
الاقتصاد والاستثمار: الشراكة كركيزة للاستقرار:
إلى جانب المقاربة الأمنية، اعتمدت المملكة على أدوات اقتصادية وتنموية لتعزيز حضورها في إفريقيا، شملت تنشيط التبادل التجاري والاستثمار في الزراعة والأمن الغذائي ودعم مشاريع تنموية وبنى تحتية، ويعكس هذا التوجه بما لايدع مجالا للشك فهمًا سعوديًا عميقًا بأن الأمن المستدام يُبنى عبر التنمية والشراكة، لا عبر الأدوات العسكرية وحدها.
عليه فإن تقزيم دور المملكة واختزال العلاقات السعودية الإفريقية وضغطها في قوالب أيديولوجية أو مذهبية يتنافى مع منطق العلاقات الدولية، وذلك لسبب بسيط وبديهي يتمثل في ان إفريقيا اليوم ساحة تنافس عالمي، والمملكة العربية السعودية تملك من المقومات المادية والمعنوية ما يؤهلها لتكون أحد أكثر الفاعلين تأثيرًا على كافة الاصعدة سواءً سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا وثقافيًا داخل القارة.
ضرورة اعتماد استراتيجية تعمل على تعميق الشراكة والتمدد جنوبًا:
إن ما يحدث في اليمن يمتد أثره عبر البحر الأحمر إلى شرق إفريقيا، ثم إلى السودان وعبره الى تشاد، ما يجعل تعزيز العلاقات السعودية الإفريقية خيارًا استراتيجيًا لا يحتمل التردد، بالاضافة الى أن المرحلة الراهنة تتطلب من المملكة الذهاب أبعد من ذلك، عبر تقوية حضورها في إفريقيا جنوب الصحراء، لا سيما في دول الساحل وغرب إفريقيا.
ان اعتماد هذه الاستراتيجية التي من الضروري جدا ان تكون عاجلة ودائمة تستند لما للمملكة العربية السعودية من قبول واسع لدى الشعوب والحكومات الإفريقية، وهذا القبول يستند إلى مكانتها الروحية في وجدان المسلمين الأفارقة، وتاريخها الطويل في الإغاثة والتعليم والعمل الإنساني فضلا عن رصيدها السياسي المتوازن وغير الاستعماري.
من هذا المنطلق، فإن من الضروري أن تستمر المملكة في برنامجها الإفريقي الذي انطلق بوضوح منذ تولي ولي العهد الحالي محمد بن سلمان عام 2017، وأن تعي السعودية وتدرك جيدًا أنها صاحبة التأثير الأكبر سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا وثقافيًا في أجزاء واسعة من إفريقيا، خاصة في الساحل وغرب القارة.
إن ترك هذا المجال لقوى جديدة صاعدة سيعني التفريط في مكاسب استراتيجية تراكمت عبر عقود، وتعميق الشراكة مع إفريقيا، شمالها وجنوبها وشرقها وغربها، سيجعل من المملكة ركيزة أساسية في أمن القارة واستقرارها وتنميتها، وشريكًا لا غنى عنه، خاصة ان السعودية وعبر علاقتها الحالية مع عموم الدول الافريقية تعمل بنفس عقلية النخب الافريقية الحالية التي تسعى الى الحصول على شركاء يؤمنون بقاعدة (الكل رابح)، والسعودية الى الان غير متهمة بانها غير مستعدة لمثل هذه الشراكة على مستوى السياسة والاقتصاد والامن.