د أيمن السيسي يكتب : منابت الراحة في رحلة متعبة (1–3)

عانيتُ في رحلتي الأخيرة إلى موريتانيا مشقّات السفر، وطول ساعات الترانزيت، وعذابات الجسد في سبيل الوصول إلى «وادان»؛ مدينة العلم، وموطن الأولياء، ومنارة الفقه في الصحراء، ثم العودة إلى نواكشوط. غير أنّ ارتواء الروح بنسمات العلم، وتجليات الفقه، وتدفّقات المحبة الصافية لأهل التصوف الحقيقي، أنساني كل ما لاقيت من عناء التنقّل ومشقة الطريق.

بدأت الرحلة بلقاء الولي الأجل سيدي الشيخ علي الرضا بن محمد ناجي الصعيدي، والأشراف الصعايدة: الشيخ أحمدو ولد عابدين، وسيد محمد، والشيخ الحسن الصعيدي، والشيخ ابن حنا بن عابدين، حاملاً إليهم رسائل أبناء عمومتهم من أشراف قنا والفيوم بمصر. وخُتمت الرحلة بلقاء سيدي الشيخ محمد الحسن الددو؛ عالم الشيوخ، وشيخ علماء شمال وغرب أفريقيا، وأحد أبرز فقهاء العصر في العالم الإسلامي كله.

جلسنا بضع ساعات، كان فيها الشيخ الددو سيّال العلم، غزير العطاء، فيضًا من المودة، ومحبّة صادقة لمصر وأزهرها الشريف. استحضر تأثير علماء الأزهر في الحركة العلمية الموريتانية، وفي الفقه المالكي على وجه الخصوص، بدءًا من خليل بن إسحاق الجندي صاحب «مختصر خليل»، مرورًا بالشيخ خالد الأزهري، والشيخ المرتضى الزبيدي، وصولًا إلى الإمام الشيخ محمد أبو زهرة.

وكان من لطيف ما فاجأني به فضيلته أن شقيقه الأصغر يحمل اسم «شلتوت»، كما سمّاه والده الكريم تيمّنًا وتبرّكًا بالإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر الراحل محمود شلتوت (1958–1963م). وأسعدني طلب فضيلته نسخة من رسالتي للدكتوراه، التي نلتُ عنها درجة الدكتوراه بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى، حول الحركة الفكرية في موريتانيا منتصف القرن التاسع عشر.

وتحدّث الشيخ الددو عن الدور الريادي للمركز الثقافي المصري في نواكشوط، بوصفه منارة للعلم والثقافة منذ افتتاحه في ستينيات القرن الماضي، وكيف أسهم في تشكيل الوجدان الثقافي الموريتاني، معربًا عن أسفه لتوقف نشاطه. فأخبرته عن وجود سفير عظيم لمصر حاليًا في نواكشوط، هو الدكتور أحمد طايع، وما يوليه من اهتمام بالمركز، وسعيه الدؤوب لإعادة افتتاحه واستئناف دوره العلمي والثقافي خلال شهور، إن شاء الله، وهو أمر يحظى باهتمام شخصي من السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، والسيد وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي، في إطار دعم موريتانيا، والحرص على استقرارها وتقدمها وازدهارها، محبةً في أرضها وشعبها.

وبين لقائي الشيخ الددو والصعيدي، كانت لي لقاءات علمية وروحية مثمرة. وإن كانت موريتانيا قد عُرفت حديثًا بأنها «بلد المليون شاعر»، ففي ذلك بعض الحقيقة، إذ لم يكن الشعر سوى أداة للتعليم والحفظ، ووعاءً للمتون في ظل ندرة أدوات الكتابة. غير أنّ الأصدق أن تُوصَف بأنها بلد المليون فقيه؛ فتراث هؤلاء الفقهاء حاضر خلف أبواب لا تُحصى، ومجالس العلم والفقه فيها مزدهرة نابضة بالحياة.

وقد أنعم الله عليّ بدعوات كريمة من أبناء وأحفاد شيوخ وفقهاء عظام، كان لهم دور محوري في نشر الإسلام بين القبائل الأفريقية وتجديد الفقه الإسلامي. من بينها دعوة لزيارة الزاوية القادرية الكنتية في نواكشوط، وهي مركز علمي وروحي بارز، ومنارة للتصوف والمعرفة، وجسر واصل بين البحث الأكاديمي المعاصر والمؤسسات العلمية التقليدية، كما تضطلع بدور مهم في توثيق التراث الصوفي والمخطوطات، ونشر علوم سيدي المختار الكنتي؛ منارة الفقه في الصحراء، ورائد التجديد.

استجبتُ للدعوة، فحظيت ببركات شيخنا سيدي أعمر ولد سيدي محمد الخليفة الكنتي، الذي نوّه بما لمصر وأزهرها الشريف من مكانة راسخة لدى سيدي المختار الكنتي وأحفاده ومريديه. وأحاطني فضلاء الزاوية بكريم الاهتمام وخالص الدعوات، ولم ينقصنا سوى حضور أستاذنا الدكتور سيدي أعمر، الذي منعه ظرف طارئ عن الجلسة.

ثم كانت الندوة التي عقدها المهندس محمد أبات في دار «منسقية الشيخ محمد المامي»، للقاء أبنائه ومريديه والباحثين في تراثه الفقهي وفكره السياسي والديني. ويُعد كتاب الشيخ محمد المامي «البادية» أحد أهم كتب التجديد الديني والسياسي في تاريخ الإسلام بالصحراء الكبرى، بدعوتيه إلى فتح باب الاجتهاد وشرعنة أعراف أهل الصحراء، وإلى «نصب الإمام» لمعالجة أزمة انعدام الأمن في القرن التاسع عشر، وهي الأزمة التي دفعت الفقهاء آنذاك إلى إسقاط فريضة الحج.

وقدّمتُ في الندوة عرضًا علميًا تناول دوافع اختياري للموضوع، والمسار العلمي والدعوي للشيخ المامي، وإسهاماته الفكرية في سياق تاريخي شديد التعقيد، مع إبراز تصوره المبكر لمشروع الدولة، وأثره العميق في محيطه الاجتماعي. وخصّصتُ دعاءً صادقًا لأستاذي الدكتور محمد ولد البرناوي، أول من دلّني ووجّهني إلى هذا الموضوع.

وتناولت مداخلات الحضور المكانة العلمية للشيخ محمد المامي، بوصفه عالمًا موسوعيًا جمع بين الفقه والأصول والشعر والمعرفة العقلية والوعي الاجتماعي، وتميّز بجرأة فكرية منضبطة داخل إطار المذهب المالكي، وسعيه الدائم لربط النص بالواقع، وتبسيط العلم، ورفض الجمود والتقليد الأعمى.

وفي لفتة رمزية ذات دلالة ثقافية، قدّمت لي المنسقية مجموعة من مؤلفات الشيخ، وألبستني الدراعة والعمامة السوداء والطربوش، تيمّنًا به، إذ كان معروفًا بارتداء الطربوش. وكان اللقاء عرسًا ثقافيًا حقيقيًا.

وفي النباغية (160 كم جنوب شرق نواكشوط)، ابتهج القلب ورفرفت أجنحة العرفان، حين التقيت بسيدي الشيخ اباه بن عبد الله بن اباه بن بابه بن أحمد بيبه العلوي، شيخ محضرته العامرة، التي اصطحبني إليها أستاذي الدكتور أحمد سعيد نجل أستاذنا الراحل العظيم الدكتور المختار ولد أباه. وبين طلابها الوافدين من شتى أنحاء العالم الإسلامي، من اليمن إلى غانا وجامبيا، ومن مختلف الأعمار، تجلّت صورة بديعة من صور العلم الحي؛ حفظًا للقرآن، وتدريسًا لمتون الفقه المالكي واللغة.

والله ما أحببت في حياتي مجلسًا أعظم ولا أجلّ ولا أشرف من هذه المجالس. بارك الله فيها، وفيمن أقامها وحضرها وعمل عليها ونفعنا بهم. ولولا أمر طارئ استوجب عودتي السريعة إلى نواكشوط، ما برحت النباغية حتى أرتوي رواء العطاش، وقد كان في انتظاري لقاءات علمية وثقافية افتقدتها بالعودة على عجل.

Comments (0)
Add Comment