الرئيسية

يسألونك عن العم “سعيد” قل: خيره “طايل” الكل

0 659

 

حسين متولى

 

قلما تستدعى الحالة كتابة حروف وكلمات عن شخصية مجتمعية عايشت معها تفاصيل حياة وأجبرتك سماتها على ذكرها، ربما تميزت شخصيات بما يعلي من شأن سيرتها في مجالها وتخصصها، كأن تخلد ذكرى شاعر أو طبيب أو عالم، لكن الفضل يمتد أثره مع سيرة من ميزهم الله بقضاء حوائج الناس، وأطاعوه فوعدهم بظله.

بين سنوات العمر؛ سير أهل فضل محفورة في ذاكرة طفولة وشباب لا تزول إلا عند من نقشت على الماء ما تعلمهم فلا يحصدون بعدك إلا الخيبة و التيه، أو ربما هى علامات الزمن وطباع العباد حتى يعاد اختبارهم فى مواقف مضحكة لمن يليهم فيسقطون ضحية سفهاء جدد يرثون نكران الجميل طواعية، وما أجمل أن تتشدق وتتمسك بحبل ود حتى نهاية يكتبها القدر لا نعلم أي منا يسبق الآخر إليها.

في سيرة العم سعيد طايل، رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته، تشهد علاقات دنياي حضوره الدائم بين أهل الفضل في حياة كل من حوله، هو رجل يمكن أن تلخص مسيرته فى كلمات بسيطة، “أعطى للدنيا ولم ينتظر عطاءها”، وبالضرورة منح كل من حوله دون انتظار كلمة ثناء واحدة، تعشق حلقة الود فى شخصيته حلقة تسامح، بينهما ثالثة أقوى رباطا تقر التراحم وهى لب العقيدة وخلاصة المعاملة التى يبتغيها الدين كرسالة للبشر.

أي شيء آخر في معاملات العم “سعيد” الذي عاش ذاهبا وعائدا على من حوله حاملا الخير، لن تجد فيه خصلة العتاب المكتوم، ولن تحضر بمواقف تجمعك به عند الشدة إلا اللوم المعلن وقت الضرورة، تارة بهجوم من يبكيك حتى لا يسخر الناس منك، وتارة بإفيهات الضاحك الساخر الذي يجبرك على إعادة النظر في حالك وشأنك كله، وهي مهارة يمارسها من انتهى مبكرا من غرس قيم أصيلة في نسله لا تخطيء خبرته الطويلة حق مجتمعه عليه فى نيلها، أو هى طريقته الخاصة فى فهم وترجمة “خيركم خيركم لأهله.. خيركم من تعلم القرآن وعلمه.. أو من تعلم العلم وعلمه”.

معتادو الشقاء لا يعرفون طريقا للراحة ولا يقبلون مشهدا للاستلقاء الجبري، وساعات وأيام المرض الأخيرة للعم “سعيد طايل” ترجمت خلالها ردود أفعاله هذه النظرية بصحتها، فلم يجده من حوله ضعيفا مستسلما، حتى أطباؤه؛ حاروا معه منذ لازم الفراش ووضع على أجهزة التنفس الصناعي حتى أعلنوا وفاته بعد 12 يوما من إصابته بالتهاب رئوي حاد، تقترب منه خلالها لتجده متمردا على الراحة والاستسلام، عنيدا فى مواجهة ما يجهله أو يعلمه معالجوه، مصرا على الاستمتاع بمن حوله موزعا الضحكات والقفشات عليهم رغم منعه عن الكلام، حتى لغة الإشارة التي استخدمها معهم نقلت سخريته الأزلية من كل حال، تلك التي كان يجتاز بها كل صعاب، واجه بها تهديد الموت ذاته حتى قضى الله أمره.

“الأستاذ” لم يكن لقبا عبثيا يوزعه الناس على من نال قسطا من التعليم بينهم، فقد كانت ثقافة العم “سعيد طايل” موسوعية متعددة المصادر تبدو لكل من اقترب منه وعايشه، لكن نفس اللقب لم يقترن به وظيفيا مع عمله حتى تخارج إلى المعاش مديرا لأكبر فروع شركة الأحذية المصرية الأشهر في تاريخ الجمهورية “باتا” قبل خصخصتها أو بيعها أو تأجير فروعها في غير مجالها التجاري، بل ترجمته تربيته الراقية لأبناء تقلدوا مكانة مجتمعية تليق بثمرة كده وشريكة حياته الخالة ابنة الكريمين، وقد نجحا في انتزاع اعترافات كل العائلات المقترنة بهما، بأن بيتهما عنوان للدفء والهدوء والسكينة والتراحم، من دخله فهو آمن لا محالة، ومن تعلم منه سعى لنسخ معنى الترابط داخله إلى مسكنه ولو كان قصرا تتعالى أركانه.

أيام الشدة؛ وحتى نهاية المشهد؛ أجبرتني قيمة العم سعيد في حياتي على استرجاع ذكرياتي القريبة والبعيدة الحاضرة معه، نهاية بزيارة أخيرة له ببيته قبل وفاته بأيام، يداعبني خلالها “يارب تبقى داخل عليا بدعوة فرحك يا حسين”، منبها إياي إلى عمر يفنى فى غم لا طائل منه، وأولى مواقف الطفولة المبكرة مع شهوة الامتلاك التى تستحوذ على طفل الرابعة ليلة العيد، وقد اختصت والدتي العم البار بمهمة إتاحة حذاء جديد لي، تشاغلني شقيقاتي بمحاولة انتزاعه من بين ضلوعي عند النوم مع الملابس الملونة، وبين هذين كل مواقف الفضل التي يتجاوز فيها العم سعيد عن كل نظرية تدعوه إلى تطبيق العدل عبر معاملة الناس بالمثل.

تلك المواقف التى تحتاج فيها من يخفف عنك، تجده خلالها متصدرا صفوف الداعمين نفسيا وأدبيا وماديا دون النظر إلى تقديراته وظروفه الخاصة، فله تجاهك قرار لا يثنه عنه أحد، وقد باشر فعل الولاية والوصاية طواعية عليك متى توقفت قدرتك عن التفكير، وصحح مسار قرارك متى حار ذكاؤك في التعامل مع المحنة، تلك الولاية التى اطمأن إليها آل بيته فتعجب أنت لردة الفعل متى اقترحت عليهم خروجهم من نطاقهم الجغرافي بأسرهم الناشئة بعيدا عن بيت العائلة، ولو على سبيل الانفتاح والتغيير، فأمن كل منهم على نفسه ونسله في ظله و ريح وجوده رحمه الله.

حتى النهاية؛ ظلت نظرات العم تترقب تلبية مطلبه الاطمئنان على أحفاد تربوا في كنفه ورعايته، يسأل عنهم بالاسم ويترجم أبناؤه إشاراته مبتسمين، قبل أن تنتهي ساعة زيارته، فيغوصون في تأمل لا حدود له حول تداعيات غيابه عن بيت اكتست جدرانه بالحزن أيام رقدته الأخيرة، حتى انتفضت مرتدية السواد في وداعه.

فى زماننا هذا؛ تاريخ مستمر من العطاء والبذل لكل شخصية مؤثرة حولنا، يدركه ويتناقله المعترفون بالجميل، ويستكمله الوارثون للسيرة والفضل و هما خير إرث لمن نال تربية على طريقة “إبني ابنك وماتبنيلوش”، وينكره تباعا المتواكلون المتناسون وهم ولو زادوا بيننا أو زالوا فلا نعول على حضورهم أو غيابهم، وفي النهاية علامات طريق تغلب الاستفهام والتساؤل حول أثر غياب كل ذي فضل، وأولهم من حمل إياه إلى الناس قبل سؤاله، فلا تخفي سيرته تفاصيل الدنيا في حياة المتممين لعمله، ولا تزول محبته حتى اللقاء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.